محمد ابو زهره
651
خاتم النبيين ( ص )
وقد كانوا على حق ، لأنهم ابتدؤا بالغدر والخيانة أو تسليط الغادرين الخائنين ، وعلى فرض أنهم صادقون فيما يعاهدون عليه من أنهم لا يقاتلونهم فإنهم سيسلمونهم لأهل مكة المكرمة ليصيبوا منهم شيئا ، ولا شك أن أهل مكة المكرمة سينزلون بهم أذى ، القتل أقله . ولذلك قاتل أولئك الثلاثة ، وقتلوا ، فاختاروا أن يقتلوا مجاهدين من أن يقتلوا مستسلمين ، أما إخوانهم فلم يرتضوا ذلك الموقف الشجاع الذي كانت نهايته شهادة في غير استسلام واستخذاء ، بل في قوة وإيمان وجهاد . استسلم الباقون ظانين أن لهم عهودا ، وقد ذكر منهم ابن إسحاق ثلاثة وهم : زيد بن الدثنة ، وخبيب بن عدي ، وعبد اللّه بن طارق . ولنذكر بعض ما فعلوه بعاصم بن ثابت الذي أصاب من قريش في ميدان القتال ، فقد أصاب في أحد ابني امرأة من قريش فنذرت إن تمكنت منه أن تشرب الخمر في قحفة عاصم ، فلما قتل طلبت رأسه ، وقد قيل ، عندما أرادت ذلك ، نبه رجل أبا سفيان بن حرب كيف يصنع برأس ابن عمه فلم يستخف ولم يلم ، وماذا ينتظر من أبي سفيان زوج هند التي فعلت ما فعلت ، فلم ينكر ، ولكن اللّه تعالى حمى رأس المؤمن التقى من أن يمسها الأنجاس فحامت حولها الزنابير لتحميها . ولنتجه من بعد إلى الذين رضوا بمواثيق المشركين ، ولم يتنبهوا إلى قول اللّه تعالى : لا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلا ذِمَّةً . لقد أسروهم ، ثم خرجوا بهم إلى مكة المكرمة ليبيعوهم بها ، حتى إذا كانوا بالظهران ، وهو واد قرب مكة المكرمة ، استطاع أن يفك أحد الثلاثة عبد اللّه بن طارق يده من رباطها ، وأخذ سيفه ، فاستأخر عنه القوم ، وباعدوه حينا من لقاء سيفه ، ولكن رموه بالحجارة حتى قتلوه ، فمات غير مستسلم ، وإن كان قد وثق بعهدهم الذي عاهدوا عليه . وأما الآخران خبيب بن عدي ، وزيد بن الدثنة فقد باعوهما من قريش بأسيرين من هذيل كانا بمكة المكرمة . فابتاع خبيبا بنو الحارث بن عمار بن نوفل ، وكان خبيب هو الذي قتل أباهم الحارث يوم بدر فمكث عندهم أسيرا ، يسومونه الخسف والهوان ، ولكنه كان في سعة نفس من إيمانه ، ومهما يروموه من إهانة ، فنفس المؤمن لا تهون ، وكأنه وثق بعهدهم ليرى اللّه تعالى الناس المؤمن إذا خدع ، وصبره إذا أوذى ليرتفع إلى درجات المجاهدين بالصبر ، كما هو مجاهد في ميدان القتال ،